Home » هل يستطيع الذكاء الاصطناعي العثور على المياه التي نفقدها بالفعل؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي العثور على المياه التي نفقدها بالفعل؟

by CEDARE Team

من حساسات إنترنت الأشياء إلى الشبكات التنبؤية: مسار رقمي لتعزيز المرونة المائية في المنطقة العربية

في واحدة من أكثر مناطق العالم ندرةً في المياه، لا يقتصر التحدي على تأمين مصادر جديدة فحسب، بل يمتد إلى حماية المياه التي يتم إنتاجها وتوزيعها بالفعل. فقد انخفض متوسط نصيب الفرد من موارد المياه المتجددة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى نحو 480 متراً مكعباً للفرد في عام 2023، أي أقل من عُشر المتوسط العالمي. ومع تزايد الضغوط الناتجة عن تغير المناخ والنمو السكاني والتوسع الحضري، يمكن أن يصبح الحد من الفواقد المائية القابلة للتجنب أحد المسارات المهمة لتعزيز الأمن المائي (World Bank, 2025).

وهنا يبرز الدور المحتمل للجمع بين إنترنت الأشياء (IoT) والذكاء الاصطناعي (AI) في تطوير إدارة المياه التقليدية. فبدلاً من الاعتماد بصورة رئيسية على عمليات التفتيش الدورية أو التدخل بعد ظهور كسر أو تسرب في الشبكة، تستطيع الحساسات المتصلة قياس مجموعة من المؤشرات بشكل مستمر، مثل التدفق والضغط ودرجة الحموضة (pH) والعكارة ودرجة الحرارة والمواد الصلبة الذائبة الكلية (TDS). ويمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي تحليل هذه التدفقات المستمرة من البيانات للكشف عن الأنماط غير الطبيعية، والتنبؤ بمشكلات جودة المياه، وتحديد التسربات المحتملة بصورة شبه فورية.

وتوضح دراسة أجراها Guezouli et al. (2024) هذا المفهوم من خلال نظام QoW-Pro، وهو نظام متكامل لمراقبة المياه يجمع بين إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي. وتربط بنيته الحساسات الميدانية بالمنصات السحابية، ثم تستخدم خوارزميات التعلم الآلي للكشف عن الحالات غير الطبيعية والتنبؤ بالمشكلات، مع إرسال تنبيهات للمستخدمين وإتاحة إمكانية التحكم في الصمامات عن بُعد. ووفقاً للدراسة، حقق النظام دقة بلغت 94% في كشف التسربات و92% في التنبؤ بجودة المياه، مقارنة بنطاق يبلغ نحو 70–80% لدقة كشف التسربات باستخدام بعض الأساليب التقليدية (Guezouli et al., 2024).

ولا تقتصر الإمكانات على نموذج تجريبي واحد. فقد تناولت مراجعة منهجية نُشرت في عام 2026 عدد 53 دراسة حول استخدام الذكاء الاصطناعي في كشف تسربات المياه خلال الفترة 2018–2025. وأظهرت المراجعة أن الضغط يُعد من أكثر المدخلات الهيدروليكية استخداماً وحساسية للكشف عن التسربات. وفي الدراسات التي شملتها المراجعة، تراوحت دقة بعض تطبيقات التعلم الآلي مثل SVM بين 94 و100%، بينما حققت تطبيقات التعلم العميق المعتمدة على CNN في كثير من الحالات دقة تراوحت بين 95 و99%، وتجاوزت بعض النماذج الهجينة 97%.

لكن الدقة المرتفعة في الاختبارات المعملية أو البيئات الخاضعة للتحكم لا تعني بالضرورة تحقيق المستوى نفسه من الأداء داخل شبكات المياه الفعلية. فقد أظهرت مراجعة منهجية أخرى نُشرت عام 2026 وشملت 72 دراسة وجود فجوة ملحوظة بين الاختبارات الخاضعة للتحكم أو المعتمدة على البيانات الاصطناعية وبين التطبيق التشغيلي الفعلي، حيث يمكن أن ينخفض أداء النماذج بنحو 3–30 نقطة مئوية. ولذلك تظل موثوقية الحساسات ومعايرتها، وجودة بيانات التدريب، واستقرار شبكات الاتصال، وتغير الظروف الهيدروليكية عوامل حاسمة في نجاح هذه النظم.

وهذه النقطة ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى المنطقة العربية. فالتحول الرقمي في إدارة المياه لا يعني مجرد تركيب المزيد من الحساسات، وإنما يتطلب إنشاء سلسلة متكاملة تربط البيانات بالقرار والاستجابة: الاستشعار ← نقل البيانات ← التحليل ← التنبؤ ← التنبيه ← الاستجابة. يرصد حساس الضغط أو التدفق أي تغير في الشبكة؛ وتنقل بنية إنترنت الأشياء البيانات؛ ثم يحلل الذكاء الاصطناعي ما إذا كان التغير جزءاً من التشغيل الطبيعي أو مؤشراً على حالة غير طبيعية؛ وبعد ذلك يمكن إخطار المشغل بالموقع المحتمل للمشكلة ودرجة خطورتها، بما يسمح بإجراء الصيانة أو التحكم الآلي قبل أن يتحول تسرب صغير إلى فاقد مائي كبير.

وتزداد أهمية هذه الإمكانات مع دخول المنطقة العربية مرحلة تتطلب انتقال إدارة المياه تدريجياً من الاستجابة للمشكلة بعد وقوعها إلى التنبؤ بها والتدخل المبكر. وتؤكد الأولويات الإقليمية للإسكوا للفترة 2026–2030 أهمية الابتكار والرقمنة، وتعزيز نظم المعلومات المائية، وتطوير الحوكمة القادرة على التكيف (ESCWA, 2025). أما في مصر، فيوفر الحد من المياه غير المدرة للإيرادات مجالاً مهماً لتطبيق هذا التوجه من خلال الجمع بين قياسات التدفق والضغط، ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)، والتحليل الهيدروليكي، وتقنيات كشف التسربات، وقواعد بيانات مرافق المياه.

ويمكن أن تكون الخطوة التالية أكثر طموحاً، من خلال دمج العدادات الذكية، وحساسات إنترنت الأشياء، ونظم SCADA، ونظم المعلومات الجغرافية، والنماذج الهيدروليكية، وبيانات رصد الأرض بالأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي في منصات رقمية متكاملة لإدارة المياه. وبدلاً من أن تخبر هذه الأنظمة مرافق المياه فقط أين حدث العطل، يمكنها أن تساعد تدريجياً في تحديد أين يُرجح أن يحدث العطل قبل وقوعه.

ومع ذلك، فإن الرقمنة لا تخلو من التحديات. فالحساسات تحتاج إلى المعايرة والصيانة، وقد تتعرض شبكات الاتصال للانقطاع، كما أن نموذج الذكاء الاصطناعي المدرَّب على شبكة معينة قد لا يحقق الأداء نفسه عند تطبيقه على شبكة أخرى. كذلك تزداد أهمية الأمن السيبراني مع اتصال البنية التحتية التشغيلية بالأنظمة الرقمية، إلى جانب الحاجة إلى كوادر قادرة على تفسير البيانات وتحويلها إلى إجراءات تشغيلية فعالة. ومن ثم، فإن التحول الرقمي في قطاع المياه لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يتطلب أيضاً حوكمة فعالة، ومهارات بشرية، وأمناً سيبرانياً، ونظم بيانات متكاملة، وقدرات مؤسسية قوية.

بالنسبة إلى المنطقة العربية، يعيد هذا التحول صياغة أحد أهم أسئلة الأمن المائي. فالسؤال لم يعد فقط: من أين سيأتي المتر المكعب القادم من المياه؟ بل أصبح أيضاً: كم من مياهنا الحالية يمكن حمايته من الفقد من خلال معلومات أفضل وقرارات أسرع؟

ومع تزايد التركيز في COP31 على تحويل الالتزامات المناخية إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، يمكن لأنظمة المياه الرقمية أن تمثل مساراً عملياً للتكيف مع تغير المناخ: قياس كل قطرة، واكتشاف الفواقد مبكراً، والتنبؤ بالمخاطر بصورة أسرع، والتدخل في الوقت المناسب.

فقد يكون أذكى مصدر جديد للمياه هو المياه التي ننجح في وقف فقدها.

المراجع

Guezouli, L., Guezouli, L., Djeghaba, M.B.E. & Bentahrour, A. (2024). IoT and AI for Real-time Water Monitoring and Leak Detection. Journal of Renewable Energies, 27, 243–281. https://doi.org/10.54966/jreen.v27i2.1210

World Bank (2025). In MENA, Make Every Drop of Water Count. World Bank.

ESCWA (2025). Arab Region Priorities in the Field of Water Resources for the Period 2026–2030. United Nations Economic and Social Commission for Western Asia.

Recent 2026 systematic reviews on AI-based leak detection in water distribution systems, including reviews of 53 studies (2018–2025) and 72 studies assessing the gap between controlled testing and operational deployment.

You may also like