يؤكد التقييم الإقليمي للحد من مخاطر الكوارث لعام 2024 أن المنطقة العربية تواجه مرحلة جديدة من المخاطر المتشابكة، حيث لم تعد التحديات البيئية والمناخية والاقتصادية والاجتماعية تحدث بشكل منفصل، بل تتفاعل فيما بينها لتنتج آثاراً أكثر تعقيداً واتساعاً. فتغير المناخ، والتوسع الحضري السريع، وتزايد أوجه عدم المساواة، واستمرار النزاعات في بعض الدول العربية، تشكل مجتمعة منظومة مترابطة من المخاطر تضاعف الخسائر، وتختبر قدرة المجتمعات والمؤسسات على الصمود.
وتكمن خطورة المخاطر البيئية المركبة في أنها لا تقع منفردة؛ فقد تتزامن موجة حر شديدة مع انقطاع الكهرباء، أو يترافق الجفاف مع ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع سبل العيش، أو تؤدي السيول الحضرية إلى أضرار أكبر عندما تتزامن مع ضعف البنية التحتية أو النزوح السكاني. وفي مثل هذه الحالات، يصبح التعامل القطاعي التقليدي غير كافٍ، بل قد يؤدي أحياناً إلى نقل المخاطر من قطاع إلى آخر عوضا عن معالجتها جذرياً.
في السياق العربي، تتجلى هذه التحديات بجلاء في سيول المدن في وادي النيل والمغرب العربي، وتعطل الخدمات الأساسية بفعل النزاعات في المشرق واليمن والسودان، وتزايد مخاطر الحرارة الشديدة في المدن الخليجية. إلا أن الحدث المناخي في حد ذاته ليس دائماً السبب الرئيسي للخسائر؛ فالمحركات الأعمق غالباً ما تتمثل في التخطيط العمراني غير المستدام، وضعف الحوكمة، وتدهور النظم البيئية، والفقر، والهشاشة المؤسسية.
ومن المهم إدراك أن التكلفة الحقيقية لهذه المخاطر تتجاوز الخسائر المادية المباشرة. فهي تشمل آثاراً غير مرئية على الصحة العامة نتيجة الإجهاد الحراري وتلوث الهواء والمياه، وانخفاض الإنتاجية الاقتصادية، وارتفاع أعباء الموازنات العامة، فضلاً عن استنزاف رأس المال الطبيعي والخدمات التي تقدمها النظم البيئية للمجتمعات والاقتصادات المحلية.
لذلك، تتطلب الاستجابة الفعالة تحولاً من إدارة الكوارث بعد وقوعها إلى إدارة المخاطر قبل وقوعها، عبر تبني سياسات متكاملة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية: بناء نظم وطنية لفهم المخاطر المترابطة وتحديثها دورياً، وإدماج اعتبارات المناخ والكوارث في التخطيط والاستثمار العام، وتوسيع تغطية الإنذار المبكر والاستجابة متعددة الأخطار. كما أن نجاح هذا التحول يعتمد على شراكة واسعة تضم الحكومات والبلديات والجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، مع توفير البيانات والتمويل وبناء القدرات اللازمة.
وفي هذا الإطار، تمثل مؤشرات مثل وجود سجل وطني للمخاطر المترابطة يتم تحديثه سنوياً، ونسبة الاستثمارات العامة الخاضعة لفحص مخاطر المناخ والكوارث، ومدى تغطية السكان بخطط الإنذار المبكر والاستجابة متعددة الأخطار أدوات عملية لقياس التقدم الحقيقي على الأرض، بعيداً عن الاكتفاء بالالتزامات النظرية.
إن تعزيز القدرة على الصمود لم يعد خياراً تنموياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وتنفيذ التزامات اتفاق باريس وإطار سنداي وخطة 2030. فكل دولار يُستثمر في الوقاية والتخطيط المبكر وبناء القدرة على الصمود يساهم في تجنب خسائر أكبر مستقبل، ويعزز أمن المجتمعات واستقرار الاقتصادات في منطقة تشهد تزايداً مستمراً في تعقيد المخاطر وترابطها.