يشهد العالم العربي تحوّلاً كبيراً بفعل التوسع الحضري؛ إذ يعيش اليوم أكثر من نصف السكان في المدن، ومن المتوقع أن يستمر عدد سكان الحضر في النمو. غير أن التوسع الحضري السريع وغير المخطط يفرض ضغوطاً متزايدة على الأراضي والمياه والزراعة والبنية التحتية العامة، كما يؤدي إلى زيادة الطلب على المياه نتيجة ارتفاع عدد السكان وتوسع الأنشطة السكنية والصناعية والزراعية.
وفي الوقت نفسه، تعاني المنطقة العربية من تدهور خطير في الأراضي الزراعية. ويُقصد بتدهور الأراضي فقدان التربة والنظم البيئية قدرتها البيولوجية والاقتصادية على الإنتاج. وقد ينجم ذلك عن التصحر، وتآكل التربة، والملوحة، والرعي الجائر، وإزالة الغابات، والتلوث، وسوء الري، والاستخدام المفرط للمياه الجوفية، والنزاعات، والبناء غير المنظم. وتشير التقديرات إلى أن نحو 70 مليون هكتار في المنطقة العربية متأثرة بتدهور الأراضي الناتج عن النشاط البشري، ومعظمها أراضٍ زراعية.
يرتبط التحضّر بتدهور الأراضي ارتباطاً وثيقاً، فغالباً ما تتوسع المدن على حساب الأراضي الزراعية المحيطة بها، لأنها مسطحة وسهلة الوصول وقريبة من البنية التحتية القائمة. وقد تطورت العديد من المدن العربية الكبرى بالقرب من الأنهار والسواحل والواحات والسهول الخصبة. ومع نمو هذه المدن، تُستبدل الأراضي الزراعية المنتجة تدريجياً بالمساكن والطرق والمراكز التجارية والمناطق الصناعية. وعندما تُغطّى التربة الخصبة بالخرسانة والإسفلت، يصبح من الصعب جداً إعادتها إلى الاستخدام الزراعي. كما يتطلب التوسع العمراني إنشاء شبكات أطول من الطرق وخطوط المياه والكهرباء والصرف الصحي، مما يزيد من استهلاك الأراضي وتكاليف الخدمات العامة. وقد يؤدي البناء غير المنظم أيضاً إلى الإضرار بالنظم البيئية من خلال استخراج الرمال والحجارة واستنزاف المياه الجوفية. كذلك التلوث الناجم عن النفايات الصناعية ومخلفات البناء ومياه الصرف غير المعالجة التربة والموارد المائية، وهو ما يؤثر بدوره في الصحة العامة ويسهم في انتشار الأمراض.
ويمثل تدهور قنوات الري تحدياً إضافياً، إذ يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من المياه، وانخفاض كفاءة وصولها إلى الأراضي الزراعية، وارتفاع تكاليف الري والصيانة. ويزداد هذا التحدي خطورة مع النمو السكاني والتوسع الحضري وارتفاع الطلب على المياه في المزارع والمصانع والمنازل. لذلك، تصبح إدارة المياه بصورة فعالة وترشيد استخدامها ورفع كفاءة استخدامها في مختلف القطاعات أموراً أساسية لمواجهة ندرة المياه وحماية الموارد المتاحة.
وتعمل العلاقة بين التحضر وتدهور الأراضي أيضاً في الاتجاه المعاكس، فقد يشجع تدهور الأراضي على الهجرة من المناطق الريفية إلى المدن. فعندما تصبح الأراضي الزراعية أقل إنتاجية، يواجه المزارعون انخفاضاً في المحاصيل وارتفاعاً في تكاليف الري والأسمدة والأعلاف ومعالجة التربة. وفي نهاية المطاف، قد تضطر بعض الأسر الريفية إلى بيع ماشيتها أو التخلي عن مزارعها أو البحث عن عمل في المناطق الحضرية. ويمكن أن يخلق ذلك حلقة متكررة؛ حيث يؤدي التوسع الحضري إلى تقليص الأراضي الزراعية، بينما يؤدي انخفاض الإنتاج الزراعي إلى إضعاف سبل العيش الريفية وزيادة الهجرة إلى المدن.
ومن أهم الآثار الاقتصادية لتدهور الأراضي انخفاض الإنتاج الزراعي؛ فالتربة المتدهورة تحتوي على مغذيات أقل، وتمتص كميات أقل من المياه، وتنتج محاصيل أقل. ونتيجة لذلك، يخسر المزارعون جزءاً من دخولهم، كما تتأثر الشركات العاملة في تصنيع الأغذية وتخزينها وتعبئتها ونقلها وبيعها بالتجزئة. وتعاني المنطقة العربية بالفعل من شح شديد في المياه وندرة الأراضي الصالحة للزراعة. وتعتمد دول عربية عديدة بصورة كبيرة على استيراد الغذاء، ولا سيما الحبوب والمنتجات الأساسية الأخرى. وعندما ينخفض الإنتاج الزراعي المحلي، تصبح الدول أكثر اعتماداً على الأسواق العالمية، مما يزيد من تعرضها لارتفاع الأسعار العالمية، واضطرابات سلاسل الإمداد، وتراجع قيمة العملة، والنزاعات، ومشكلات النقل.
وينعكس ذلك على المستهلكين في صورة ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع الأمن الغذائي. كما قد تضطر الحكومات إلى زيادة الإنفاق على استيراد الغذاء وبرامج الدعم، مما يقلل الأموال المتاحة للتعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية والخدمات العامة الأخرى.
وقد قُدّرت التكلفة الاقتصادية لتدهور الأراضي في المنطقة العربية بمليارات الدولارات سنوياً. وتشمل هذه الخسائر انخفاض الإنتاج الزراعي، وتضرر البنية التحتية، وارتفاع تكاليف استيراد الغذاء، وتراجع السياحة، وزيادة النفقات الصحية، وانخفاض إنتاجية العمال. ومع ذلك، من المرجح أن تكون التكاليف الحقيقية أعلى، لأن كثيراً من الخسائر البيئية والاجتماعية يصعب قياسها مالياً. كما يؤثر تدهور الأراضي في اجور العمالة، فالزراعة لا تزال مصدراً مهماً للدخل في كثير من الدول العربية. ويُعد صغار المزارعين ومربو الماشية والعمال الموسميون والنساء في المناطق الريفية من أكثر الفئات تعرضاً للمخاطر عند انخفاض إنتاجية الأراضي.
وقد يتمكن ملاك الأراضي الأكثر ثراءً وذوو الحيازات الكبيرة من الاستثمار في أنظمة ري حديثة، وتحسين التربة، وزراعة محاصيل جديدة، أو استخدام تقنيات زراعية متقدمة. أما الأسر الفقيرة ذات الحيازات الصغيرة، وهي الأغلبية، فغالباً ما تفتقر إلى المال أو المعرفة التقنية اللازمة للتكيف. وعندما تهاجر هذه الأسر إلى المدن، قد تواجه وظائف غير مستقرة وارتفاعاً في تكاليف السكن وضعفاً في الوصول إلى الخدمات. وبالتالي، يمكن أن يؤدي التدهور البيئي إلى تعميق الفقر في الريف والحضر على حد سواء. وتختلف هذه المشكلات من منطقة إلى أخرى في العالم العربي. ففي شمال أفريقيا ووادي النيل، يهدد التوسع الحضري الأراضي الزراعية الخصبة المحدودة. وفي دول الخليج، يفرض البناء السريع والتطوير الساحلي واستنزاف المياه الجوفية ضغوطاً على البيئات الصحراوية الهشة. وفي بلاد الشام والعراق، تتداخل ندرة المياه والنزاعات والنزوح وتضرر البنية التحتية مع تدهور الأراضي. أما في دول مثل السودان والصومال واليمن، فيجعل الفقر وعدم الاستقرار السياسي استعادة الأراضي والنظم البيئية أمراً بالغ الصعوبة.
يمكن للتخطيط الحضري الجيد أن يحمي الأراضي الزراعية، ويقلل تكاليف البنية التحتية، ويمنع البناء على الأراضي الخصبة. كما يمكن للمدن إعادة استخدام المياه المعالجة، وزيادة المساحات الخضراء، وزراعة نباتات مقاومة للجفاف، وإنشاء أسطح تسمح بتسرب مياه الأمطار إلى التربة. ويجب أن تدعم السياسات الزراعية والريفية الري الفعّال، والرعي المستدام، وحماية التربة، وتنويع المحاصيل، وحصاد مياه الأمطار، واستعادة الغابات والأراضي الرطبة والمراعي. كما ينبغي تشجيع زراعة المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه، وإعطاء الأولوية للمحاصيل المقاومة للجفاف والملوحة، والمحاصيل قصيرة المكث، والمحاصيل ذات القيمة الاقتصادية العالية. وتساعد هذه الإجراءات على تحقيق إنتاج زراعي أفضل باستخدام كميات أقل من المياه والأراضي.
ويتطلب ذلك تحسين إدارة المياه، وتشجيع الاستخدام الرشيد، ورفع كفاءة استخدام المياه في المزارع والمصانع والمنازل. كما ينبغي صيانة قنوات الري وتحديثها، والحد من تسرب المياه، وتطبيق تقنيات الري الحديثة، مثل الري بالتنقيط، بما يضمن الاستفادة المثلى من الموارد المائية المحدودة. ومن الضروري أيضاً تعزيز الترابط بين المياه والطاقة والأمن الغذائي؛ فإنتاج الغذاء يحتاج إلى المياه والطاقة، بينما تساهم الطاقة في عمليات استخراج المياه ومعالجتها. ولذلك، يجب ألا تُدار هذه القطاعات بصورة منفصلة، بل ينبغي وضع سياسات متكاملة تحقق التوازن بينها.
وينبغي النظر إلى حماية الأراضي باعتبارها استثماراً اقتصادياً، وليس مجرد تكلفة بيئية؛ فالأراضي السليمة تدعم إنتاج الغذاء، وفرص العمل، والسياحة، والتنوع البيولوجي، والحماية من الفيضانات والتآكل. والتحدي في المنطقة العربية ليس وقف التحضر، بل إدارته بطريقة مستدامة. ومن دون إجراءات منسقة، سيؤدي تدهور الأراضي والنمو الحضري غير المنظم إلى ارتفاع أسعار الغذاء، وفقدان سبل العيش، واكتظاظ المدن، وارتفاع الإنفاق العام. أما مع التخطيط الفعّال والإدارة المستدامة للأراضي والمياه، فيمكن أن يصبح النمو الحضري أكثر شمولاً ومرونة واستدامة اقتصادية.
وتوضح بعض النماذج القطرية حجم تدهور الأراضي وتفاوت آثاره في المنطقة العربية:
- المملكة العربية السعودية: تسجل أكبر مساحة من الأراضي المتدهورة بين هذه النماذج، إذ تبلغ نحو 20.09 مليون هكتار.
- موريتانيا: تعاني نسبة وطنية مرتفعة للغاية، حيث يتأثر تدهور الأراضي بنحو 60% من إجمالي مساحة البلاد.
- الأردن: تبلغ نسبة الأراضي المتدهورة نحو 25.62%، بالتزامن مع وصول معدل التحضر إلى 93%.
- العراق: يتعرض ملايين السكان للآثار المتزامنة لكلٍّ من تدهور الأراضي والجفاف.
- مصر: تواجه ندرة في الأراضي الخصبة، كما تؤثر ملوحة التربة في أكثر من ربع مساحة الأراضي الزراعية المروية.
- لبنان: يتسبب تدهور الأراضي في خسائر اقتصادية قابلة للقياس تُقدّر بنحو 132 مليون دولار أمريكي سنوياً.
وتبيّن هذه الأمثلة أن تدهور الأراضي لا يقتصر على فقدان المساحات الزراعية، بل يرتبط كذلك بارتفاع معدلات التحضر، وتزايد التعرض للجفاف، وتملح التربة، ووقوع خسائر اقتصادية مباشرة. كما تؤكد الحاجة إلى اعتماد سياسات تتناسب مع الظروف البيئية والاقتصادية الخاصة بكل دولة.
يلعب مركز البيئة والتنمية للمنطقة العربية وأوروبا (CEDARE) دوراً محورياً في مواجهة تحديات التحضر وتدهور الأراضي والخسائر الاقتصادية في المنطقة العربية من خلال مجموعة من الجهود المتكاملة. ويعمل المركز على دعم الإدارة المستدامة للأراضي عبر تطوير سياسات وأدوات تساعد الدول على مكافحة التصحر، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، وتعزيز الاستخدام الرشيد للأراضي والمياه.
كما يقدم المركز دعماً فنياً ويسهم في بناء القدرات من خلال تدريب الكوادر الوطنية، ونقل الخبرات والتقنيات الحديثة في مجال الزراعة المستدامة، ودعم التخطيط البيئي المتكامل. كذلك يساهم في تطوير قواعد البيانات ونظم المعلومات الجغرافية (GIS) لرصد تدهور الأراضي وتحليل البيانات البيئية، مما يساعد على اتخاذ قرارات مبنية على أسس علمية دقيقة.
وينفذ CEDARE أيضاً مشاريع ميدانية، مثل مشروعي Murunah وSMART Villages، التى تهدف إلى تحسين إدارة التربة والمياه والتكيف مع تغير المناخ. ومن خلال هذه المشروعات، يساهم المركز في رفع كفاءة استخدام المياه، وتعزيز قدرة المحاصيل والمجتمعات الريفية على مواجهة الجفاف والملوحة، وتحقيق تنمية حضرية وريفية أكثر استدامة.
كذلك يعمل CEDARE على دعم السياسات والتخطيط الحضري المستدام من خلال دمج الاعتبارات البيئية في التخطيط العمراني، والحد من التوسع الحضري على حساب الأراضي الزراعية، وتعزيز مفهوم المدن المستدامة. إضافة إلى ذلك، يدعم المركز التعاون الإقليمي والدولي مع منظمات مثل برنامج الأمم المتحدة للبيئة، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، والبنك الدولي، بما يسهم في تقليل الأضرار البيئية والاقتصادية وتحقيق الأمن المائي والغذائي في المنطقة العربية.
