مع تزايد حدة الكوارث المرتبطة بتغير المناخ، يواجه مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثون (COP31)، المقرر عقده في أنطاليا بتركيا خلال الفترة من 9 إلى 20 نوفمبر 2026، اختباراً حاسماً يتمثل في استعادة الثقة في العمل المناخي الدولي، من خلال تحويل التعهدات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. ففي ظل السياسات المناخية الحالية، يتجه العالم نحو ارتفاع في درجات الحرارة قد يصل إلى 2.8 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو ما يتجاوز بكثير أهداف اتفاق باريس. ومع تفاقم آثار تغير المناخ، وتزايد الضغوط المالية، واستمرار أوجه عدم المساواة، أصبح من الضروري أن يثبت المؤتمر قدرة التعاون الدولي على تحقيق نتائج فعلية وحماية المجتمعات الأكثر عرضة لمخاطر تغير المناخ (أخبار الأمم المتحدة، 2026). وتتمثل أبرز التحديات والأولويات في أربعة محاور رئيسية:
- الانتقال من التعهدات المناخية إلى استثمارات ومشروعات قابلة للتنفيذ. يركز مؤتمر COP31 على تسريع تنفيذ الالتزامات المناخية، من خلال مبادرات من بينها مبادرة “جسر تنفيذ العمل المناخي” التي أطلقتها تركيا بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، بهدف تحويل الالتزامات المناخية الوطنية إلى مشروعات جاهزة للاستثمار وربطها بمصادر التمويل. فلم يعد التحدي يقتصر على وضع أهداف طموحة، بل أصبح يتعلق بمدى امتلاك الدول للقدرات الفنية والمؤسسية والمالية اللازمة لتحقيقها.
- تيسير الحصول على التمويل المناخي بشروط ميسّرة ومستقرة. لا تزال الدول النامية تواجه تحديات كبيرة في تمويل العمل المناخي، خاصة في ظل ارتفاع أعباء الديون وضيق الحيز المالي المتاح في الموازنات العامة. ومن ثم، يتعين أن تتجاوز مفاوضات COP31 مجرد زيادة التعهدات المالية، لتوفير آليات تمويل عملية تتيح للدول الاستثمار في التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، دون زيادة الضغوط على اقتصاداتها، مع ضمان سهولة الوصول إلى التمويل وتوافره بتكلفة مناسبة وبصورة مستقرة يمكن التنبؤ بها.
- تعزيز التكيف مع تغير المناخ وضمان الانتقال العادل. استكمالاً لمخرجات مؤتمر COP30، يسعى مؤتمر COP31 إلى تفعيل آلية الانتقال العادل، وتحسين قياس التقدم المحرز في مجال التكيف، وتعزيز التخطيط للتكيف استناداً إلى الأدلة العلمية. ويتطلب ذلك مراعاة الاحتياجات والظروف المحلية، وضمان استفادة المجتمعات الأكثر هشاشة من الاستثمارات المناخية والتكنولوجيات الحديثة، بما يحقق انتقالاً عادلاً وشاملاً لا يترك أحداً خلف الركب.
- الحد من اتساع الفجوة بين الدول في القدرة على العمل المناخي. رغم أن أفريقيا لا تسهم إلا بنحو 3% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً، فإنها تتحمل نصيباً غير متناسب من آثار تغير المناخ. ويهدد التفاوت في فرص الحصول على التمويل والتكنولوجيا بتعميق الفجوة بين الدول القادرة على تنفيذ التزاماتها المناخية وتلك التي تفتقر إلى الموارد والإمكانات اللازمة، مما يقوض الثقة في التعاون المناخي الدولي.
لن يُقاس نجاح مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثون بحجم التعهدات الجديدة، بل بقدرته على تحويل الالتزامات القائمة إلى مشروعات ممولة، وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ، وتحقيق نتائج ملموسة وقابلة للقياس لصالح الفئات والمجتمعات الأكثر تأثراً. وبالنسبة للمنطقة العربية، يؤكد ذلك أهمية تعزيز الجاهزية المؤسسية، وإعداد مشروعات تكيف مؤهلة للحصول على التمويل، وتوسيع نطاق التعاون الإقليمي لضمان الوصول العادل إلى التمويل المناخي. فاستعادة الثقة في العمل المناخي العالمي لن تتحقق إلا عندما تنعكس الالتزامات الدولية في صورة نتائج حقيقية يشعر بها الأفراد والمجتمعات على أرض الواقع.