بالنسبة إلى المزارعين في المناطق الريفية، ترتبط الأرض والمياه ارتباطًا وثيقًا، لكن الملكية والوصول والسيطرة ليست مفاهيم متطابقة. فقد تزرع المرأة أرضًا مملوكة للأسرة، أو تستأجر قطعة أرض، أو تعمل بنظام المشاركة في المحصول، أو تدير نشاطًا زراعيًا من دون أن يكون اسمها مسجلًا في سند الملكية. لذلك، لا يقتصر السؤال على: من يملك الأرض؟ بل يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: هل يتمتع من يزرع الأرض فعليًا بالاعتراف والأمان الكافيين للوصول إلى الفرص المرتبطة بالمياه؟
وتبدو الفجوة واضحة. ففي 43 دولة من أصل 49 دولة تتوافر عنها بيانات قابلة للمقارنة، يكون الرجال أكثر احتمالًا من النساء لامتلاك الأراضي الزراعية أو حيازة حقوق آمنة عليها (منظمة الأغذية والزراعة، 2026). كما تشير البيانات الخاصة بمصر إلى أن النساء يمتلكن نحو 5% فقط من الأراضي الزراعية (الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، 2024).
1. الفجوة غير المرئية: من يملك الأرض ليس بالضرورة من يزرعها
قد لا تعكس بيانات ملكية الأراضي الصورة الكاملة. فالمرأة التي لا تمتلك الأرض قد تكون في الواقع هي من يزرعها ويدير جانبًا كبيرًا من أنشطتها اليومية.
ويشير تقييم مشروع CROWN في مصر إلى أن النساء الفقيرات اللاتي لا يمتلكن أراضي ويعملن بنظام المشاركة في المحصول قد يواجهن صعوبة في الوصول إلى الخدمات وبعض المنظمات الزراعية بسبب عدم امتلاكهن حقوق ملكية قانونية، رغم مشاركتهن الفعلية في الإنتاج الزراعي (الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، 2024).
وهنا تظهر فجوة في الاعتراف: فقد لا يكون الشخص الذي يزرع الأرض فعليًا هو نفسه الشخص الذي تعترف به المؤسسات رسميًا.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في قطاع المياه، لأن الاستفادة من الري لم تعد تقتصر على الحصول على المياه فقط؛ بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الوصول إلى التكنولوجيا، والمشورة الفنية، والتمويل، والمعدات، وبرامج الدعم التي تساعد على تحسين كفاءة استخدامها.
2. سند الملكية قد يصبح بوابة إلى موارد أخرى
لا تقتصر آثار ضعف الحيازة على الأرض نفسها.
ويشير تقييم منظمة الأغذية والزراعة في مصر إلى أن قدرة النساء على ممارسة حقوقهن في الأرض والمياه ترتبط بإمكانية الوصول إلى الائتمان، وخدمات الإرشاد الزراعي، والدخل والمدخرات، إلى جانب أوضاعهن الاقتصادية وقدرتهن على المشاركة في صنع القرار (منظمة الأغذية والزراعة، 2023).
كما تشير تحليلات حديثة في المنطقة إلى أن النساء اللاتي لا يمتلكن سندات أو حقوقًا معترفًا بها في الأرض قد يواجهن صعوبات أكبر في الوصول إلى التمويل والتدريب وخدمات الإرشاد الزراعي، ما يعني أن غياب الاعتراف الرسمي قد يؤثر في الوصول إلى منظومة الدعم الزراعي الأوسع (إيكاردا، 2025).
ومن ثم، فالقضية لا تتعلق فقط بـ ملكية الأرض، بل بما يمكن أن تتيحه هذه الملكية من فرص.
الأرض ← الاعتراف الرسمي ← الخدمات ← التمويل ← الاستثمار في المياه
3. تحديث الري قد يكشف فجوة خفية
تزداد أهمية هذه المسألة مع انتقال الزراعة إلى أنظمة الري بالتنقيط، والضخ بالطاقة الشمسية، والتقنيات الدقيقة، وغيرها من أدوات ترشيد استخدام المياه.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن النساء المزارعات ما زلن يواجهن تحديات في الوصول إلى معدات الري، والتكنولوجيا، والتمويل، وخدمات الإرشاد الزراعي (منظمة الأغذية والزراعة، 2026). كما تبحث مبادرات حديثة في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا الفجوات القائمة بين النساء والرجال في الوصول إلى تقنيات الري الحديثة وتأثير ذلك في سبل العيش الريفية، بما في ذلك مصر (منظمة الأغذية والزراعة، 2026).
وهنا يبرز سؤال يختلف عن السؤال التقليدي حول قدرة التكنولوجيا على توفير المياه:
من يستطيع أصلًا الوصول إلى هذه التكنولوجيا واعتمادها؟
فإذا صُممت برامج تحديث الري بالاعتماد أساسًا على اسم المالك الرسمي، فقد يصبح من الصعب الوصول إلى النساء اللاتي يزرعن أراضي أسرية أو مستأجرة أو تعمل بنظام المشاركة في المحصول.
وهذا لا يعني أن برامج الري الحديثة تستبعد تلقائيًا النساء اللاتي لا يمتلكن سندات ملكية، وإنما يعني أن نمط الحيازة يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند تحديد المستفيدين وشروط الاستفادة من الدعم.
الآثار: أربع طرق يمكن أن تتحول بها فجوة الأرض إلى فجوة في المياه
الأثر الأول هو القدرة على الاستثمار. وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن قوة الحقوق في الأرض والمياه ترتبط بزيادة تبني التقنيات والاستثمار في إدارة الموارد الطبيعية (منظمة الأغذية والزراعة، 2026).
أما الأثر الثاني فهو الوصول إلى التمويل. فحقوق الملكية يمكن أن تؤثر في قدرة المزارعين على الوصول إلى الائتمان والفرص الاقتصادية، في حين تواجه النساء في كثير من الحالات قيودًا أكبر في تمويل الاستثمارات الزراعية (البنك الدولي، 2024).
والأثر الثالث هو الوصول إلى المعرفة والخدمات. فعندما لا يتم الاعتراف بالمرأة رسميًا باعتبارها مزارعة أو صاحبة حق في الأرض، قد تصبح أقل ظهورًا أمام نظم الإرشاد والتدريب والبرامج الزراعية (إيكاردا، 2025).
أما الأثر الرابع فهو عدم تكافؤ الاستعداد لتحديث نظم المياه. فقد يزرع مزارعان قطعتين متجاورتين تستخدمان نظام الري نفسه، لكن قدرتهما على تبني تقنية جديدة قد تختلف بدرجة كبيرة إذا كان أحدهما يتمتع بحقوق حيازة آمنة وتمويل وخدمات رسمية، بينما لا يتمتع الآخر بهذه المزايا.
وهنا تتحول قضية الأرض إلى قضية كفاءة في استخدام المياه.
ما الذي ينبغي أن تفعله برامج المياه بصورة مختلفة؟
لا يتمثل الهدف في تجاوز حقوق الملكية أو تجاهل أصحاب الأراضي الشرعيين، بل في ضمان ألا تكون الملكية الرسمية هي المدخل الوحيد للحصول على دعم كفاءة استخدام المياه.
يمكن للبرامج الأكثر شمولًا أن تعترف، حيثما كان ذلك مناسبًا، بأشكال أخرى من إثبات الزراعة أو الاستخدام المشروع للأرض، حتى تصبح النساء المستأجرات، والمزارعات بنظام المشاركة، واللاتي يزرعن أراضي أسرية أكثر وضوحًا أمام برامج الدعم.
كما يمكن تطوير أدوات تمويل لا تجعل الحصول على تقنيات الري الحديثة مرتبطًا بالكامل بوجود الأرض كضمان. وتوصي منظمة الأغذية والزراعة بتعزيز حقوق النساء في الأرض والمياه، بالتوازي مع تحسين وصولهن إلى الخدمات والمؤسسات والتقنيات الموفرة للمياه (منظمة الأغذية والزراعة، 2026).
كذلك ينبغي ألا تكتفي البرامج بتسجيل النوع الاجتماعي فقط، بل أن تسجل أيضًا وضع الحيازة. فمعرفة ما إذا كان المستفيد مالكًا أو مستأجرًا أو مزارعًا بالمشاركة أو مستخدمًا شرعيًا للأرض يمكن أن تكشف تفاوتات لا تظهر عند الاكتفاء بعدّ عدد المستفيدين من الرجال والنساء. وتوصي منظمة الأغذية والزراعة بجمع بيانات مصنفة حسب النوع الاجتماعي حول الوصول إلى الأرض والمياه والسيطرة عليهما (منظمة الأغذية والزراعة، 2026).
اختبار بسيط للسياسات
قبل إطلاق أي برنامج لتحديث الري، يمكن لأربعة أسئلة أن تكشف مدى شمول تصميمه:
- هل تستطيع المرأة التي تزرع أرضًا أسرية، رغم عدم وجود اسمها في سند الملكية، التقدم للحصول على الدعم؟
- هل يستطيع المستأجر أو المزارع بنظام المشاركة الوصول إلى دعم الري؟
- هل يستطيع المزارع الذي لا يملك أرضًا يستخدمها كضمان الحصول على تمويل لتقنيات توفير المياه؟
- هل يميز نظام المتابعة بين ملكية الأرض واستخدامها الفعلي؟
وتنقل هذه الأسئلة النقاش من سؤال:
«كم عدد النساء اللاتي يمتلكن الأرض؟»
إلى السؤال الأكثر عملية:
هل تستطيع النساء اللاتي يزرعن الأرض فعليًا الوصول إلى الموارد التي يحتجن إليها لإدارة مياهها بكفاءة؟
وهنا تكمن الرسالة الأساسية لهذا الإصدار:
ليس من الضروري أن تمتلك المرأة الأرض حتى تعتمد على مياهها. ويصبح تحديث نظم المياه أكثر شمولًا عندما يكون الأشخاص الذين يزرعون الأرض فعليًا مرئيين، ومعترفًا بهم، وقادرين على الاستثمار.
المراجع
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (2023). Gender, Water and Agriculture: Assessing the Nexus in Egypt.
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (2026). Gender, Land, Soil and Water.
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (2026). Water and Gender.
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (2026). Water Scarcity Initiative in the Near East and North Africa – Water Governance: Gender Impacts of Irrigation Modernization.
الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (2024). Egypt: Climate-Resilient On-Farm Water Management in the Nile Valley (CROWN) – Project Design Report.
المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة – إيكاردا (2025). Women and Smallholder Farming in MENA.
البنك الدولي (2024). Four Priorities for Increasing Women’s Access to Farmland، وWorld Bank Group Gender Strategy 2024–2030.
