بالنسبة إلى صغار المزارعين في مصر والمنطقة العربية، أصبح تغير المناخ تحديًا يؤثر مباشرة في قدرتهم على تأمين دخل مستقر. فنقص المياه وارتفاع درجات الحرارة وتراجع جودة التربة تزيد الضغوط على المحاصيل ودخل الأسر. ويمكن للزراعة الذكية مناخيًا أن تساعد المزارعين على تحسين الإنتاجية والتكيف مع الظروف المتغيرة وخفض الانبعاثات حيثما أمكن. لكنهم يحتاجون إلى حلول ميسورة التكلفة، يستطيعون تشغيلها وصيانتها، ويثقون بأنها ستحقق عائدًا مناسبًا.
أدوات التمويل المتاحة
يمكن لأشكال مختلفة من التمويل أن تدعم مراحل التكيف المختلفة. فالمنح والقروض الميسّرة تساعد على تغطية التكاليف الأولية لتحسين نظم الري، واستخدام أصناف مناسبة من المحاصيل، والزراعة المحمية، والتدريب. ويمكن للتمويل متناهي الصغر تغطية تكاليف البذور ومستلزمات الإنتاج الأخرى، على أن تُحدد مواعيد السداد بعد الحصاد والبيع. كما يتيح تأجير المعدات والملكية المشتركة استخدام الآلات والمضخات ومرافق التبريد دون دفع ثمنها بالكامل مقدمًا.
ويجمع التمويل المختلط بين الأموال العامة أو تمويل الجهات المانحة والاستثمارات التجارية، بينما تساعد ضمانات الائتمان على تقليل المخاطر التي تتحملها الجهات المُقرضة. أما التمويل المرتبط بالمشترين، فيربط الدفعات المقدمة لشراء مستلزمات الإنتاج أو تمويل رأس المال العامل باتفاقيات شراء مع شركات التصنيع أو تجار التجزئة أو المصدّرين. ويمكن للتأمين الزراعي أن يساعد في مواجهة الخسائر الناتجة عن الظروف الجوية، عندما تتوفر وثائق تأمين بأسعار مناسبة وآليات موثوقة لصرف التعويضات. ويعتمد الوصول إلى هذه الأدوات على البرامج الوطنية والمؤسسات المشاركة وشروط أهلية المزارعين.
وبالنسبة إلى الاستثمارات الصغيرة، يمكن لمجموعات الادخار المجتمعية أو صناديق التمويل الدوّارة، إذا أُديرت جيدًا، أن تساعد المزارعين على دفع تكاليف الإصلاحات والأدوات والخدمات المشتركة. وتحتاج هذه الترتيبات إلى سجلات شفافة وشروط ميسّرة ومسؤوليات واضحة.
لماذا يظل الاستثمار صعبًا؟
يمتلك كثير من صغار المزارعين مدخرات محدودة، ولا يستطيعون تحمل خسارة محصول أو فشل استثمار. وتتقلب إيراداتهم، بينما قد تطلب الجهات المُقرضة ضمانات أو سجلات رسمية لا تتوفر لديهم. كما تجعل الحيازات الصغيرة والمتفرقة شراء المعدات بصورة فردية أمرًا مكلفًا. ويضيف عدم استقرار الأسواق مخاطرة أخرى؛ فزيادة الإنتاج لا تعني بالضرورة زيادة الدخل إذا لم يتوفر المشترون أو انخفضت الأسعار.
وتوضح التجربة المصرية أهمية ربط التمويل بالدعم التسويقي. فقد وجد تقييم الصندوق الدولي للتنمية الزراعية «إيفاد» لمشروع تعزيز الدخل الريفي من خلال تحسين الأسواق «PRIME» أن أنشطة الإقراض والتسويق نُفذت في كثير من الأحيان في مناطق مختلفة، مما حدّ من استفادة المزارعين المشاركين. كما أثّر ضعف جمعيات المنتجين وعدم كفاية التدريب المالي والإداري في النتائج. لذلك، ينبغي أن يقترن الائتمان بدعم عملي وفرص واقعية لبيع الإنتاج.
حلول منخفضة التكلفة يمكن للمزارعين البدء بها
لا يتطلب التكيف دائمًا شراء معدات مرتفعة الثمن. فقد حددت منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» وإيفاد والبنك الإسلامي للتنمية تقنيات زراعية ذكية مناخيًا وميسورة التكلفة لصغار المزارعين، بمن فيهم المزارعون في مصر والأردن والمغرب وفلسطين وتونس. وتشمل هذه التقنيات إدارة المياه وحماية المحاصيل والتعامل مع المنتجات بعد الحصاد والوصول إلى الأسواق.
ومن الخيارات العملية التي يمكن تقييمها وفقًا للظروف المحلية:
- تحسين إدارة الري: فحص رطوبة التربة قبل الري، وإصلاح التسربات في الأنابيب والصمامات، وضبط الري وفقًا لاحتياجات المحصول والظروف الجوية. وقد يكون تحسين تشغيل النظام الحالي خطوة أولى مناسبة قبل شراء معدات جديدة.
- تغطية التربة المكشوفة: استخدام بقايا محاصيل نظيفة ومناسبة لتقليل تبخر المياه وحماية التربة. وينبغي مراعاة استخداماتها الأخرى، مثل تغذية الحيوانات، وتجنب المخلفات المصابة بالآفات أو الأمراض.
- استخدام المواد العضوية المحلية بحرص: يمكن للسماد العضوي المُعد بطريقة سليمة أن يحسّن بنية التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة. ويجب أن تتناسب الكميات المستخدمة مع احتياجات المحصول وظروف التربة.
- تعديل مواعيد الزراعة وتجربة أصناف مناسبة: يمكن للإرشاد الزراعي المحلي مساعدة المزارعين على اختيار مواعيد وأصناف تتناسب مع درجات الحرارة وتوفر المياه وطلب السوق. وتقلل التجربة على مساحة صغيرة من تكلفة اختبار التغيير.
- توفير حماية بسيطة للمحاصيل: يمكن استخدام شبكات التظليل أو مواد محلية مناسبة لحماية المشاتل والمحاصيل الحساسة، مع ضبط مستوى التظليل بحسب احتياجات كل محصول.
- تقليل الفاقد بعد الحصاد: إبقاء المنتجات في الظل، والتعامل معها برفق، واستخدام صناديق مناسبة قابلة لإعادة الاستخدام، وتنسيق النقل لتقليل التأخير قبل البيع.
- تشارك المشتريات والمعلومات: يمكن للشراء الجماعي لمستلزمات الإنتاج و مجموعات التواصل عبر الهاتف، التي تنقل التنبيهات الجوية والإرشادات الزراعية وأسعار الأسواق، أن تقلل التكاليف وتحسّن التنسيق.
وتدعم إرشادات الفاو ممارسات تغطية التربة وإدارة المواد العضوية واختيار مواعيد الزراعة المناسبة محليًا والزراعة المحمية منخفضة التكلفة. لكن مدى ملاءمتها وحجم الوفورات الناتجة عنها يختلفان بحسب المحصول والموقع.
وتظل الحلول منخفضة التكلفة بحاجة إلى عمالة ومواد وصيانة. لذا، يُفضّل أن يبدأ المزارعون بالمشكلات التي تسبب أكبر خسائر، وأن يختبروا التغييرات على نطاق يمكنهم إدارته، مع تسجيل بسيط للتكاليف والإنتاج والمبيعات.
نماذج تساعد صغار المزارعين على الاستمرار
يمكن للاستثمار الجماعي أن يجعل الخدمات ميسورة التكلفة للمزارع التي لا يبرر حجمها امتلاك المعدات بصورة فردية. ويمكن لمراكز خدمات مملوكة للمزارعين توفير الآلات وصيانة نظم الري والفرز والتخزين والنقل مقابل رسوم. كما تستطيع المشروعات المحلية تقديم خدمات المعدات، بحيث يدفع المزارع مقابل استخدامها عند الحاجة.
وتستطيع مجموعات المنتجين تجميع المحاصيل والتفاوض على اتفاقيات شراء أوضح وتقاسم تكاليف تلبية متطلبات الجودة لدى المشترين. ويمكن لمشروعات التجفيف والتعبئة والتصنيع الصغيرة أن تقلل الفاقد وتخلق فرص دخل للنساء والشباب. وتتوافق هذه الأساليب مع تركيز الفاو على سلاسل القيمة الشاملة والتمويل والشراكات التسويقية.
ولكي تستمر المشروعات المشتركة، تحتاج إلى عدد كافٍ من العملاء وتسعير شفاف. كما ينبغي أن تتوافق مواعيد سداد القروض مع توقيت الدخل الزراعي. وفي المناطق المتأثرة بالنزاعات، قد تكون منح دعم سبل العيش واستعادة الخدمات الأساسية أنسب من تحميل الأسر ديونًا إضافية.
دور سيداري
يدعم مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا «سيداري» المزارعين بالفعل من خلال مشروع «القرى الذكية» في أطفيح بمحافظة الجيزة، بتمويل من مؤسسة دروسوس. وتشمل أنشطته التدريب وجلسات التوعية ومدارس المزارعين الحقلية، بالتعاون مع الجهات الزراعية والشركاء المجتمعيين. كما كلّف سيداري بإجراء دراسة لتقييم السوق وإشراك القطاع الخاص، بهدف ربط التنمية الزراعية بالفرص الاقتصادية المحلية.
يعزز مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا )سيداري (الزراعة الذكية مناخيًا من خلال مشروع “المرونة” الممول من وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية (FCDO)، والمنفذ بالتعاون مع المعهد الدولي لإدارة المياه (IWMI) في محافظة البحيرة بمصر .يركز المشروع على تقديم حلول ميسورة التكلفة، تشمل الري بالطاقة الشمسية، وتسوية الأراضي باستخدام الليزر، وتحسين إدارة التربة والمياه، بهدف رفع كفاءة استخدام المياه، وزيادة الإنتاجية الزراعية، وتعزيز قدرة صغار المزارعين على التكيف مع التغيرات المناخية. ويُستكمل المشروع بمبادرة “المرونة ”+، التي تدعم التمكين الاقتصادي للمرأة وتعزيز سبل العيش الشاملة. كما تسهم المبادرة في دعم التعاونيات المحلية ومقدمي الخدمات الزراعية، بهدف التوسع في تطبيق ممارسات زراعية مستدامة وفعالة من حيث التكلفة، من خلال تعزيز الشراكات المجتمعية.
وبناءً على هذا العمل، يمكن لسيداري تطبيق الممارسات منخفضة التكلفة بصورة عملية في حقول المزارعين، ومساعدتهم على مقارنة تكاليفها وفوائدها خلال موسم زراعي. ويمكنه أيضًا دعم مجموعات المنتجين في إعداد خطط استثمارية والتواصل مع المشترين وجهات التمويل. ويوفر برنامجه الإقليمي لإدارة الموارد المائية أساسًا لتبادل الخبرات بين الدول العربية، مع تكييف الحلول وفقًا للظروف المحلية. وهذه مقترحات لتوسيع دوره الداعم، وليست دليلًا على تقديمه قروضًا زراعية مباشرة.
الأولوية هي مساعدة المزارعين على إجراء تحسينات يستطيعون تحمل تكلفتها، تحمي دخلهم اليوم وتعزز قدرتهم على مواجهة الظروف الصعبة مستقبلًا. وينبغي أن يدعم التمويل هذه العملية إلى جانب الإرشاد العملي والخدمات المشتركة والأسواق الموثوقة. ويُقاس التقدم بتحسن صافي دخل المزارعين، وانخفاض الخسائر، وكفاءة استخدام المياه.