لم يعد تحدي الأمن المائي في المنطقة العربية يقتصر على البحث عن موارد إضافية من المياه العذبة، بل أصبح يرتبط بصورة متزايدة بكيفية بناء محفظة متكاملة ومتنوعة من مصادر المياه. ففي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بلغ متوسط نصيب الفرد من موارد المياه المتجددة نحو 480مترًا مكعبًا في عام 2023، أي أقل من عُشر المتوسط العالمي. وفي الوقت نفسه، تستحوذ المنطقة على أكثر من 53% من القدرة العالمية لتحلية المياه، بما يعكس تنامي الاعتماد على الموارد المائية غير التقليدية (البنك الدولي، 2025).
ومع ذلك، لا يمكن للتحلية وحدها أن تمثل الحل الكامل. فمياه الصرف المعالجة تعد من أهم الموارد الدائرية التي لم تُستغل إمكاناتها بالكامل بعد. وتنتج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو 21.5 مليار متر مكعب من مياه الصرف البلدية سنويًا، بينما يظل أكثر من نصف هذه الكمية دون معالجة أو يُفقد من خلال التبخر. ومن الناحية الحجمية، فإن استرداد نصف هذه التدفقات فقط قد يتيح أكثر من 10 مليارات متر مكعب سنويًا من المياه الإضافية، قبل احتساب القيود الفنية والاقتصادية والبيئية ومتطلبات الجودة (المعهد الدولي لإدارة المياه، 2025).
وتزداد أهمية هذا المورد مع التوسع الحضري، إذ يمكن في كثير من الحالات إعادة استخدام المياه بالقرب من المدن والمناطق الزراعية والصناعية التي تولد فيها. ويشير البنك الدولي إلى أن الجدوى الاقتصادية لإعادة الاستخدام تتحسن عندما تكون مرافق المعالجة قريبة من مواقع الاستخدام، كما يقدّر أن إعادة استخدام المياه للأغراض البلدية والصناعية عالميًا يمكن أن ترتفع بمقدار ثمانية أضعاف بحلول عام 2040 في ظل وجود أطر تنظيمية واستثمارية داعمة (البنك الدولي، 2025).
لكن البنية التحتية وحدها لن تكون كافية لاستغلال هذه الإمكانات؛ فثقة المجتمع تمثل جزءًا أساسيًا من معادلة الموارد المائية. وأظهرت دراسة سعودية حديثة شملت 391 مزارعًا في خمس مناطق أن 65% منهم يستخدمون مياه الصرف المعالجة، وأن 78% من المستخدمين راضون عن استخدامها، إلا أن المخاوف المتعلقة بالصحة وجودة التربة وقبول المستهلك ما زالت قائمة. كما أن 57% فقط تلقوا خدمات إرشادية، بما يبرز أهمية المعرفة والتواصل وبناء الثقة (Alomair et al., 2025).
ومن ثم، ينبغي أن تتجاوز الاستجابة مجرد حملات التوعية، لتشمل إتاحة معلومات شفافة عن جودة المياه، والرصد المنتظم، والضمانات الصحية المستقلة، ووضع معايير واضحة للاستخدام الملائم للغرض، وتنفيذ مشروعات نموذجية، وتعزيز الإرشاد الزراعي، وإشراك المجتمعات المحلية منذ المراحل المبكرة. وتقدم تجربة تونس في عام 2025 في تطبيق منهجية تخطيط مأمونية الصرف الصحي نموذجًا إقليميًا مهمًا، من خلال إشراك قطاعات المياه والزراعة والصحة والبيئة في تقييم المخاطر عبر سلسلة إعادة الاستخدام (منظمة الأغذية والزراعة، 2025).
وبالنسبة إلى سيداري (CEDARE)، فإن الرسالة الرئيسية تتمثل في ضرورة بناء منظومة مائية عربية تجمع بين تحلية المياه، وإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، والمياه الجوفية المالحة، والتغذية المُدارة للخزانات الجوفية، مع توجيه كل مصدر إلى الاستخدام الأنسب له.
فالقطرة القادمة لا ينبغي أن تكون مُنتَجة أو مُعالجة فحسب، بل يجب أيضًا أن تكون موثوقة، ومقبولة، وميسورة التكلفة، وملائمة للغرض من استخدامها.
المراجع: البنك الدولي (2025)، In MENA, Make Every Drop of Water Count؛ مجموعة البنك الدولي (2025)، Scaling Water Reuse: A Tipping Point for Municipal and Industrial Use؛ المعهد الدولي لإدارة المياه IWMI (2025)، In MENA Water Reuse Holds Immense Potential, Yet Remains Largely Untapped؛ Alomair et al. (2025)، Enhancing Treated Wastewater Reuse in Saudi Agriculture: Farmers’ Perspectives؛ ومنظمة الأغذية والزراعة FAO (2025)، Advanced Sanitation Safety Planning for Treated Wastewater Reuse in Agriculture in Tunisia.
